المدركات الإستراتيجية الأمريكية تجاه الجزائر
- إدارة جورج ولكر بوش نموذجا-
مكان النشر: مركز الشرق العربي للدراسات الإسترتيجية و الحضارية - لندن- بريطانيا http://www.asharqalarabi.org.uk/markaz/m_abhath-17-01-10.htm
تاريخ النشر: الأحد 17/01/2010
يوميـــة الحــــــــــوار الجزائرية 24/01/2010 http://www.elhiwaronline.com/ara/content/view/24404/101/
بقلم : سـني محمد أميـن
باحث في الدراسـات المغاربيـة
جـامعة الجزائـر
تمثل المدركات الإستراتيجية--Strategic Perception المعيار العام الذي يتم على أساسه قياس تأثير نشاطات معينة لفاعل خارجي على المصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة خارج (أو داخل) أراضيها، فهي التي تشكل المنظور الأمريكي بشأن قضايا كالمصالح الإقليمية، والأمن الداخلي، والعلاقات التجارية، إلا أنها لا تتعلق عموماً بدولة محددة، فهي تمثل الخلفية الأساسية التي يتم استناداً عليها تقدير ما تمثله كل حالة من دعم أو تهديد للمصالح الأمريكية، تحكم العلاقات الدولية بصفة عامة والعلاقات الثنائية بين الدول عدة متغيرات، تجعل من هذه العلاقة أن تتطور أو العكس، فالبيئة السياسية الدولية في عمومها لا تعرف سكونا ولا هدوءا، فهي تفاعلية بطبيعتها وقد يجد طرف من أطراف اللعبة السياسية نفسه موضع اهتمام بعد طول نسيان أو تجاهل، وقد تفقد أطراف أخرى أهميتها ورونقها وتصدرها لحين من الدهر، وفي كل الأحوال تكون الأسباب وراء هذه الحالة إلى معطيات ومتغيرات دولية جديدة.
ومن هذا المنطلق، عند دراسة السياسة الخارجية الأمريكية بالتحديد اتجاه أي دولة لابد ن فهم ودراسة المكانة التي تكتسبها هذه الدولة في إطارها المحلي و الإقليمي و الدولي، والتي تمنحها هذا التميز و الاهتمام لدى صانعي القرار في الولايات المتحدة الأمريكية.
وبهذا يعد المنظور الذي تتعامل الإدارة الأمريكية من خلاله مع الجزائر من التعدد بحيث لا يقتصر على متغير واحد. فهناك ثلاثة محاور أو مرتكزات على الأقل، يمكن من خلالها متابعة السلوك الأمريكي تجاه الجزائر في هذه المرحلة.وهي التي أعطت نفسا جديدا للعلاقات الأمريكية-الجزائرية. هذه المحاور الثلاث هي:
المحور الأول: الأهمية الجيوسياسية و الجيواستراتيجية للجزائر.

تركز معظم الدراسات الكلاسيكية والحديثة في العلاقات الدولية على أن هناك علاقة بين الموقع الجغرافي والسياسي.ولعل "نابليون بونابارت" قد أصاب كبد الحقيقة عندما اعتبر أن الجغرافيا تتحكم و تدير سياسة الأمم. ومن هذا المنطلق فإن أهمية الجزائر الإستراتيجية والأمنية بالنسبة لواشنطن تكمن في المحاور المتعددة والمتقاطعة التي تقودها الجزائر على مستويات إقليمية فالجزائر تتوسط المغرب العربي، وتشكل بذلك محور اتصال بين قطبية الشرقي والغربي، و من الصعب بناء أي مشروع سواء كان اقتصادي أو سياسي أو أمني في هذه المنطقة دون مشاركتها.
من جهة أخرى تنتمي الجزائر إلى حوض البحر الأبيض المتوسط حيث جعل منها التاريخ، كما جعلت منها الجغرافيا، رافدا من روافد الحضارة المتوسطية، وأصبحت محورا هاما للتبادل والتعاون مع القارة الإفريقية. يتجلى ذلك في ربط أسواق استهلاك المحروقات بحقول الغاز الطبيعي في الجزائر، عبر اسبانيا وايطاليا حيث أنه لدى الجزائر عدة خطوط أنابيب تنقل الغاز الطبيعي إلى أوروبا، وسيلتقي بعضها مع خطوط الأنابيب المقترحة لنقل الغاز من إيران إلى أوروبا، الخط الأول طوله 670 ميلا وينقل نحو 2.32 مليار قدم مكعبة يوميا عبر البحر المتوسط وتونس إلى ايطاليا، وقد اكتمل بناء الخط في عام 1983، وتضاعفت سعته عام 1994، فضلا عن توسعات مستقبلية ليتمكن من ضخ 48 مليار قدم مكعبة يوميا. أما الخط الآخر وهو المقرر له أن يبدأ العمل في عام 2007، حيث بدأ العمل فيه في جويلية 2001 وبتكلفة 1.3 مليار دولار، وبطول 120 ميلا من الجزائر إلى اسبانيا.
ويمكن إدراك أهمية الجزائر بالنسبة للإتحاد الأوروبي – كأحد الأقطاب المنافسة للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة- من خلال الدراسة التي أصدرتها المفوضية الأوروبية في 01 جوان 2006، تدعو إلى اعتبار الجزائر ضمن الحزام الطاقوي الأوروبي.
و تعتبر الجزائر بحكم انتمائها قطبا هاما في العالم العربي والإسلامي، عربيا حيث تعد التجربة الرائدة في التعامل مع الظاهرة الإرهابية بشكلها الأمني والسياسي، حيث انتقلت من مرحلة المأساة الوطنية إلى مرحلة السلم والمصالحة الوطنية. الاهتمام الأمريكي بالجزائر كذلك لا يخرج كذلك عن دائرة مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي طرح كمشروع بديل ينافس المشروع المتوسطي الأوروبي، وتعد الجزائر في هذا الإطار النموذج الفعال بالنسبة لصانعي القرار الأمريكيين، الذين يصرون على الإصلاحات الاقتصادية،السياسية،والاجتماعية، الثقافية والتربوية. إسلاميا، دورها النشيط في منظمة المؤتمر الإسلامي بدبلوماسية هادئة ومتوازنة تعكس التجربة السياسية للنخبة السياسية الحاكمة التي تمتد بين الوساطة في إطلاق سراح الرهائن الأمريكيين بطهران ومرورا بالحل السلمي لقضية الطائرة الكويتية المختطفة التي حطت بمطار الجزائر في منتصف الثمانينات، وصولا إلى الوساطة النوعية في النزاع الإريتري-الإثيوبي،الذي أبرما طرفي النزاع اتفاق سلام حوله بالجزائر، في 12/12/2000، وبحضور الوفد الأمريكي وكلها تجارب تأمل الكثير من القوى استغلالها وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية في ظل الأزمات الدولية، خصوصا مع الملف النووي الإيراني، الأزمة العراقية والقضية الفلسطينية التي أعلن عن قيام دولتها بالجزائر. يمكن أن يراهن صانعي القرار الأمريكيين على الجزائر للعب أدوار الوساطة بين القوى الإقليمية والدولية.
ومتوسطيا،تعد الجزائر شريكا استراتجيا هاما مع الحلف الأطلسي""NATO لامتداداتها البحرية على البحر المتوسط كحلقة أرضية وبحرية بين جنوب أوروبا وشمال إفريقيا،و كبوابة إستراتيجية نحو دول الساحل الإفريقي، التي تهتم بها واشنطن في إطار مبادرة "البان-ساحل" كما سيأتي لاحقا.حيث تهدف المبادرة التي تسعى الولايات المتحدة الأمريكية بالتنسيق مع دول الساحل الإفريقي كموريتانيا والنيجر والمالي وتشاد بالإضافة إلى الجزائر لمكافحة ظاهرة الإرهاب، وهو ما عبر عنه المساعد الخاص لنائب وزير الدفاع الأمريكي"فانسون كارن"
وهذا ما يدفعنا للقول أن المدرك الإستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية تجاه البعد الإستراتيجي للجزائر يتعدى الإطار الإقليمي ليشمل القارة الإفريقية(خاصة منطقة الساحل الغنية بالنفط). فمن حيث المساحة، تمثل الجزائر 8% من مساحة القارة، كما تعتبر بوابتها الشمالية،إذ تمكن دول الساحل الإفريقي – بعد إنجاز طريق الوحدة الإفريقية – من الوصول إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط، ومنه إلى بقية موانئ العالم، وتزيد الأهمية خاصة مع الاكتشافات الضخمة في منطقة الساحل الإفريقي والخليج الغيني، وهي المناطق التي تركز عليها السياسة الطاقوية الجديدة للولايات المتحدة الأمريكية لتنويع مصادر الإمدادات خصوصا لتجنب الصدمات النفطية المستقبلية في الشرق الأوسط.
بالإضافة إلى مشروع استراتيجي ضخم يمر عبر الأراضي الجزائرية حيث اتفقت شركات نيجيرية وجزائرية على إنشاء خط بطول 4550 ميلا لنقل الغاز الطبيعي من نيجيريا إلى الجزائر عبر النيجر، ثم ينتقل الغاز الإفريقي إلى الأسواق الأوروبية ويكلف الخط نحو 7 مليارات دولار وبتمويل من البنك الدولي.
ونظرا لهذا الموقع جعل الجزائر تحتضن المركز الإفريقي للدراسات والبحوث حول ظاهرة الإرهاب ، وهو المشروع الذي ستقدم المصالح الأمريكية المتخصصة على مستوى كتابة الدولة وعدد من الهيئات الأخرى دعما تقنيا والخبرة الأمريكية في مجال مكافحة الإرهاب، فضلا عن الدعم المالي لإقامة هذا المشروع خلال عام2003، يعد الأول من نوعه في المنطقة، إذ يأتي هذا بعد التمركز القوي الذي حظيت به الجزائر في مبادرة "الشراكة الجديدة للتنمية في إفريقيا NEPAD" ،التي تأسست في جويلية من عام 2002، وكانت الجزائر من أبرز مهندسي هذه المبادرة عن طريق الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وهي قوة سياسية تعول عليها واشنطن في التفاوض مع القارة الإفريقية، وتشكل الجزائر في هذا المجال البوابة الإستراتيجية للقارة الإفريقية التي تشهد تنافسا اقتصاديا حادا بين موسكو، بكين،و باريس.
كل هاته المحاور المتعددة التي تقودها الجزائر جعلت منها ركيزة جيوسياسية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى امتلاكها لموارد طاقوية هامة خاصة النفط و الغاز، وهو مجال اهتمام الشركات النفطية الأمريكية وحتى العالمية، خاصة في ظل البحبوحة المالية والأجواء الاستثمارية المحفزة التي تعيشها الجزائر بعد دخولها طور الإصلاحات وتطورات الاقتصادية الأخيرة.
المحور الثاني: تطور القدرات الطاقوية للجزائر وضخامة الاستثمارات في القطاع

تم اكتشاف النفط في الجزائر سنة 1956، وتم العثور على أول حقل للبترول في الصحراء الجزائرية و هو "حقل عجيلة" في جنوب شرق الجزائر.كما تم في شهر جوان من العام نفسه اكتشاف "حقل حاسي" مسعود الشهير ، أكبر حقول البترول في صحراء الجزائر، أي في مرحلة الاستعمار الفرنسي.ونظرا لثراء الصحراء الجزائرية بهذه الموارد جعلها تكتسي أهمية كبيرة حيث تبلغ مساحتها 2.171.800كلم2 ، وتبقى للشمال 357.580كلم2 فقط.
و حسب أحدث التقديرات لوكالة الطاقة الدولية لسنة2006، يبلغ الاحتياطي النفطي الجزائري حوالي 11.4 مليار برميل ،بترتيب الخامس عشر احتياطي في العالم. لكن رغم أن الاحتياطات النفطية المؤكدة في الجزائر لا تضاهي احتياطات الشرق الأوسط ودول الخليج خاصة المملكة العربية السعودية، إلا أن المكانة التي تكسبها الجزائر في السوق الطاقوية العالمية يمكن إرجاعها إلى عدة أسباب أهمها:
1. أنها واحد من أهم مصادر النفط "الآمنة" البديلة عن تلك غير "الآمنة" في الشرق الأوسط.ومن بين أهم المناطق لتنويع الواردات النفطية مستقبلا.
2. تمثل الجزائر عضوا نشيطا ومنضبطا داخل منظمة الأوبك.خاصة في ظل الأهمية التي ستكتسبها هاته المنظمة أكثر في المستقبل المنظور.
3. هي بحكم موقعها الجيواستراتيجي قريبة من منابع النفط الإفريقية المهمة بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، وسلامتها من سلامة هاته المصادر.
4. ضخامة الاحتياطيات الغاز في الجزائر، حيث تعد ثالث دولة مصدرة للغاز، الذي يرى فيه العديد من الخبراء أنه من أهم مصادر الطاقوية في المستقبل.
5. المكانة الدولية التي تحتلها الشركة البترولية الجزائرية "سوناطراك" في السوق الدولية.
6. ضخامة الاستثمارات في مجال المحروقات، وهذا ما يفسر اهتمام الشركات النفطية العالمية، والأمريكية بالخصوص، بالإضافة كونه يخدم الإدارة الأمريكية الحالية المرتبطة بكبرى هذه الشركات (الجماعات النفطية).
7. يكتسي قطاع المحروقات في الجزائر أهمية بالغة كونه مادة إستراتيجية يعتمد عليها الاقتصاد الوطني.
ومن خلال هاته النقاط، سنتبع القدرات الطاقوية التي تمتلكها الجزائر، والتي أصبحت تجلب اهتمام كبرى الشركات النفطية العالمية، ليست الأمريكية فقط بل الروسية والصينية والأوروبية وغيرها، كسوق واعدة في المستقبل.
فالجزائر بصفتها قطب بترولي وغازي، فهي تمثل بذلك أحد أطراف السوق النفطية العالمية، وتعكس الإحصائيات التي قدمتها النشرية الدولية المتخصصة "ميدل ايست ايكونوميك سورفي" على موقعها الإلكتروني، والتي تعد أحد المراجع الأساسية لقراءة تطورات السوق النفطي الدولي، تطورا مستمرا خلال سنة 2005 لإنتاج النفط الجزائري.
و قد استفاد النفط الجزائري من عوامل عديدة ،من بينها ارتفاع الطلب على النفط الخفيف بالنظر لمحدودية قدرة المصافي الأمريكية على تلبية حاجيات السوق الأمريكي من المواد المشتقة و المواد البترولية،سواء البنزين صيفا أو وقود التدفئة شتاءا. كما لا تتوفر الدول المنتجة للنفط كنيجيريا وليبيا و فنزويلا على فوائض كبيرة على هذا النوع من النفط المطلوب بكثرة في السوق الدولية.في ذات السياق استفادت الجزائر عام 2006 من ارتفاع في العلاوات و الرسوم المفروضة على نوعيات النفط الخفيفة ، بما في ذلك "صحاري بلند" مقارنة ب"برنت" بحر الشمال.
وبلغت الطاقة الإنتاجية للنفط الجزائري 1.4 مليون برميل يوميا، وهو ما يمثل نمو بنسبة 6.5%، و وصل إلى 1.5مليون برميل يوميا في بداية 2005. وتعتزم الجزائر إنتاج 2 مليون برميل من النفط يوميا بحلول عام 2010، حيث تتوقع الزيادة في حجم الغاز المسال والطبيعي، الذي يعتبر منتوج المستقبل إلى 85 مليار متر مكعب بحلول 2010 إلى 100 مليار متر مكعب بحلول 2015. ويمكن أن تصل احتياطاتها النفطية إلى نحو 12.4 مليار برميل.
بالإضافة إلى ما سبق، فإن ارتفاع الإنتاج الجزائري من النفط سمح لها أيضا بتحسين المداخيل بصورة معتبرة من 32 مليار دولار، إلى أكثر من 41 مليار دولار، أي بإضافة 9 مليارات دولار مقارنة بسنة 2005.
حسب دراسة لشركة بريطانية اسمها "فوغرو روبير ليميتد" ، فإن الجزائر من بين البلدان التي تحظى بتقدير 150مجموعة بترولية دولية،حيث صنفت في صدارة البلدان العشرة الأكثر تقديرا من الشركات البترولية الدولية حسب ما نقلته الصحيفة الفرنسية للطاقة "بيتروستراتيجي".
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ